POMED: The Federal Budget and Appropriations for Fiscal Year 2014: Democracy, Governance, and Human Rights in the Middle East and North Africa

"U.S. support for democracy, governance, and human rights in the Middle East and North Africa is needed now as much as ever. This report aims to examine the degree and nature of that support, by way of the federal budget and appropriations process. It aims to analyze and assess the approach of the U.S. administration and Congress to budgets, spending, and foreign assistance, and to draw conclusions regarding broader priorities and thinking in terms of U.S. policy against the backdrop of dramatic political changes across the Arab world."

على طريق القذافي وطريقته

د. برهان غليون

تاريخ النشر: الأربعاء 24 أغسطس 2011

 

تثير أعمال القتل المنظم والترويع والتعذيب التي تمارسها أجهزة الأمن السورية ضد مواطنين عزل يطالبون بالحرية ذهول الرأي العام العربي والعالمي. ولا يكاد أحد يصدق ما يحصل. وقد سئلت بالفعل مرات عديدة من صحفيين عن تفسير هذا السلوك الذي لا يتفق مع أي منطق سياسي أو أخلاقي. وأكثر ما بدر لي في معظم إجاباتي يتعلق بنوعية العلاقة التي قامت، ثم تطورت على مدى عقود طويلة بين الحاكمين السوريين الحاليين والشعب، والتي بنيت منذ البداية على الإخضاع بالقوة المادية المجردة، مع رفض أي صورة من صور الحوار أو النقاش أو المساومة مع أبناء الشعب، والسعي الدائم بموازاة ذلك إلى تحويل الكذب والغش الفكري والسياسي والأخلاقي إلى أيديولوجية رسمية للنظام. ومع الوقت كان لا بد لعلاقة الإخضاع بالقوة هذه أن تنتج في وعي الحاكمين اقتناعاً راسخاً بأن القوة المنفلتة من أي قيد أو قانون هي الحماية الوحيدة للنظام، وفي موازاته اعتقاد لا يقل جنوناً عن الأول بأن المحكومين يستحقون هذه المعاملة لانحطاط أخلاقهم وتفكيرهم، ولا يفهمون لغة غيرها، تماماً كما هو شائع في خطاب الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين والذي جعلهم يبررون، كما يفعل النظام السوري، تجريدهم من حقوقهم وانتهاك كرامتهم واستباحة دمائهم. وشيئاً فشيئاً يتكون لدى هؤلاء شعور عميق بأنهم ليسوا من طينة أعدائهم ولا هم يشبهونهم، وأن وجود أي من الطرفين على الأرض متوقف على موت الطرف الآخر وإخراجه كلياً من ميدان المنافسة والصراع. وفي هذا المستوى من التفكير لا يبقى هناك مكان لقانون ولا لمفهوم الحق ولا حتى لمفهوم الإنسان.

من هنا كان لا بد للاستمرار في هذا النهج عند الحاكمين والمستعمرين من تطوير منطقين متوازيين يحكمان تفكيرهم ومشاعرهم معا تجاه محكوميهم. الأول منطق العنصرية الذي يقود إلى الاعتقاد العميق بأن مجتمع المسيطرين من طينة مختلفة تماماً عن مجتمع الخاضعين، وإلى نشوء علاقة بين الطرفين من نوع علاقة السيد بالعبد. وكما كان الحال في نموذج العبودية القديم، السيد هو بالتأكيد موطن الفضائل والقيم والأخلاق والمعبر عن هوية الإنسان المتحضر والراقي مهما فعل، أما العبد فهو موطن انعدام الأخلاق والعقل والأهلية.

ولأن العبد لا شيء يذكر، فدمه أيضاً مباح، وليس لقتله معنى أو أهمية، فلا يسأل السيد عن قتل عبده ولا يحاسب عليه، وهو حقه المطلق، ولا يحق لاحد أن يتدخل فيه.

ورسخ خضوع المحكومين أو استسلامهم أمام القوة لعقود طويلة هذا الشعور بالتفوق وبالحق في السيادة والسيطرة، والنظر إلى الآخر الخاضع بوصفه من سقط المتاع، يحق للسيد التصرف به وبحياته وأسرته كما يشاء. وأصبح يبدو مع الزمن طبيعياً، أي صالحاً سياسياً بوصفه أساس النظام والأمن والسلام، وأخلاقياً من حيث هو تعبير عن التفوق الطبيعي للسيد وحقه الذي لا يناقش في السيطرة واستخدام جميع وسائل العنف لإخضاع من ينظر إليهم على أنهم عديمو العقل والفضائل والأخلاق.

وتكفلت الثقافة المرتبطة بالنظام في أن تحول هذا التفوق السياسي والأخلاقي المزعوم والمتوهم إلى واقع مادي مقبول ومستبطن لدى الحاكم والمحكوم على حد سواء بمقدار ما نجحت في إضفاء صفات التأخر والتخلف العقلي والجهل على الشعب، وفي حرمانه من أي فرصة للارتقاء في تفكيره وسلوكه إلى مستوى الشعور بالمسؤولية الجماعية أو التاريخية. ومن هنا لم ينفصل تأكيد مشروعية الاستخدام الدائم والمتزايد للعنف غير القانوني والتعسفي ضد الأفراد والمجتمع ككل، – مما شكل خصوصية النظام السوري خلال عقود، أكثر من احتكار السلطة التي يشاركه فيها كثير من النظم – عن تأكيد غياب الشعب مفهوماً وواقعاً، وبعده عن السياسة وتورط جميع أفراده في الفساد وافتقارهم لأي منظومة أخلاقية. وهو ما تسعى أيضاً فيديوهات الجثث المقطعة والمشوهة التي تبثها أجهزة الإعلام السورية اليوم باعتبارها من أعمال المحتجين، إلى تأكيده وترسيخه في وعي الناس أنفسهم حتى يقتنعوا جميعاً بأنهم منحطون وفاقدو الأهلية، وليس لهم أمل في البقاء والسلام والأمان إلا بالالتحاق بأسرتهم الحاكمة، رمز القوة المادية والكفيلة أيضاً بضمان صلاح الأخلاق العمومية. هنا نجد أصل الثقافة العنصرية التي طورتها النخبة السورية الحاكمة في العقود الماضية وحولتها إلى أيديولوجية مستبطنة، تبرر العزل والإقصاء واستسهال انتزاع الحقوق والبطش بمجتمع لم تعد ترى فيه سوى مهلوسين وجهلة وأميين وفاسدين وطائفيين وسلفيين.

لكن العنصرية، بما تتضمنه من حط من هوية الشعب وتأكيد فساد أخلاقياته وافتراض تخلف قدراته العقلية وغياب تضامنه الوطني، ليست الوسيلة الوحيدة التي تستخدمها الثقافة القائمة لتبرير انتزاع حقوق الآخرين وامتهان كراماتهم وحرمانهم من الحرية، وفي ما بعد من الحق في الحياة. هناك ما هو أهم من ذلك في نظري. وهذا هو المنطق الثاني الذي طورته الطغمة السورية الحاكمة خلال العقود الطويلة الماضية. وهو منطق يتطابق أيضاً مع ما طورته الصهيونية في فلسطين، ويقوم على قلب المعادلة وتحويل الجلاد إلى ضحية والضحية إلى جلاد. فالفلسطينيون في نظر الإسرائيليين مجرمون بالولادة، وأطفالهم لا يقل إجرامهم عن راشديهم لأنهم يولدون وفي ذهنهم معاداة اليهود أو قتلهم. فهم مخربون مهما كان عمرهم وثقافتهم وانتماؤهم ومواقفهم المعلنة. وقتلهم جميعاً حلال بسبب أو من دون سبب. وإذا لم يحصل ذلك فلأسباب تكتيكية أو حسن أخلاق من الإسرائيليين لا غير. وهذا هو الحال بالنسبة للنظام السوري أيضاً. فالسوريون يولدون أيضاً مجرمين لأنهم فطروا على الطائفية والسلفية والتآمر مع الخارج ضد سلطة وحدت نفسها وهويتها مع العلمانية والتسامح الديني والوطنية. وهنا أيضاً لا يتأثر هذا المنطق بأي عامل تاريخي أو اجتماعي، فالسوري مسلم وطائفي وسلفي حتى لو ظهر غير ذلك. وكل ما يقوم به من نقد أو تردد في تأييد النظام وإعلان الولاء للسيد، “سيد الوطن” كما يقولون، ليس إلا إفصاح موارب عن هذه الطائفية المقيتة اللاصقة فيه وعن السلفية والوهابية التي لا تفارقه ولا يمكن له أن يعيش خارجها. وبوصفه كذلك فهو الذي ينتهك، لمجرد وجوده، حقوق الإنسان ويهدد الأقليات في وجودها وعقيدتها، ولا وسيلة لاتقاء شره سوى وضعه في زجاجة وإغلاقها عليه. بذلك يضمن كل إنسان، الإنسان الحقيقي، حياته وحرياته ويعيش بأمان. ومثل هذا المنطق هو ما لا تكف أجهزة الإعلام السورية التابعة للنظام عن تكراره وتكريسه في أذهان أنصارها وتابعيها.

النتيجة الأخطر لهذا المنطق الذي يقوم على تشريع العنصرية واحتقار الفئة الخاضعة للسيطرة والمستعبدة، أو المحولة بالفعل وليس بالمجاز إلى عبيد، والتي تفسر ما يقوم به السيد من قتل وتعذيب وتشريد، من دون أن يرف له جفن، أو يشعر بأنه يرتكب جريمة، أو يخرق القانون، أو يدوس على حقوق الآخرين الشرعية، هي تخدير الضمير، أو قتل الإحساس والشعور الأخلاقي تماماً. وربما كان أفضل تعبير عن شلل الوعي الأخلاقي أو تحييد الضمير ما كتبه بعض المثقفين الإسرائيليين عندما اتهموا أطفال الحجارة في أول انتفاضة فلسطينية بأنهم هم المجرمون الحقيقيون لأنهم ورطوا بانتفاضتهم جنود إسرائيل “الذين لا يقلون عنهم براءة”، في كسر عظامهم وأجبروهم، دفاعاً عن أنفسهم، إلى إطلاق الرصاص عليهم. وليس من الصدفة أن كلمة صراصير وحثالة ومخربين وغيرها هي من التراث المشترك لدعاية الإسرائيليين التي واجهوا بها الفلسطينيين لإنكار شرعية قضيتهم ولأجهزة إعلام النظام السوري في مواجهتهم للمحتجين السلميين السوريين أيضاً، وكان القذافي قد اختار كلمة الجرذان ليعبر عن الاحتقار ذاته الذي كان يكنه لمحتجي ليبيا وشعبها المطالب بالتغيير والحرية.


جريدة الاتحاد
الثلاثاء غرة شوال 1432هـ – 30 أغسطس 2011م

 

Share

المعارضة السورية أمام تحدي إسقاط النظام

د. برهان غليون

 

صدق من قال إن سوريا نموذج قائم بذاته لا يشبه أي نموذج عربي آخر. وما ميز هذا النموذج بالمقارنة مع النماذج العربية الأخرى، بما في ذلك ليبيا واليمن، هو طبيعة النظام القائم، ومنطق ممارسته السلطة، والعلاقة التي تحكم ردوده تجاه قوى الاحتجاج الشبابية التي تعرفها سوريا منذ الخامس عشر من مارس/آذار الماضي.

 

وقد لفت نظر الرأي العام العربي والعالمي السهولة التي يظهرها أصحاب النظام في استخدام القوة وإطلاق النار على المتظاهرين، كما لو كنا في فيلم رعاة بقر هوليودي، والجرأة التي تميز بها النظام في إرسال الدبابات والمدرعات والحوامات للقضاء على بؤر الثورة، وممارسة العقاب الجماعي، وتلقين السكان المدنيين العزل دروسا في الهزيمة والإذلال والقهر لم يحصل إلا تجاه شعوب محتلة وفي إطار الاحتلالات القاسية التقليدية.

أن تتصرف تجاه شعبك كما لو لم يكن هناك قانون أو رادع وطني أو أخلاقي غير العنف والقوة، بصرف النظر عن عدد الخسائر في الأرواح والممتلكات، وعن عواقب ذلك على مستقبل الدولة والأمة، ومن دون أن تحسب حسابا للرأي العام العربي والعالمي، وأن تكابر أكثر، وتصر على أن القاتل هو الشعب نفسه أو جزء منه، وأنك أنت الضحية والشعب هو المذنب، هذا هو التميز الأكبر للنظام السوري بالمقارنة مع الأنظمة العربية الأخرى.

 

في جميع النماذج التي عرفناها، باستثناء ليبيا التي دفعها ملوك أفريقيا إلى دائرة التدخلات العسكرية الأجنبية، حصل إطلاق نار بالتأكيد ولا يزال يحصل، لكن ضمن نطاق محدود، وفي إطار الاعتراف بالشعب والتلويح بإمكانية النقاش حول حقوقه أو الالتزام بتحقيقها أو تحقيق جزء منها.

 

لكن لم يطلب نظام آخر من شعبه الاستسلام من دون قيد أو شرط، والعودة إلى تقبيل موطئ قدم الرئيس، الذي هو شعار أنصار الأسد وجنوده المخلصين، والقبول بالعقاب الجماعي كتطبيق للقانون، كما يحصل في سوريا.

 

بعد شهرين ونصف الشهر من التضحيات الهائلة، قدم فيها السوريون آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، وتعرض فيها الألوف أيضا للتعذيب المر ولممارسات حاطة بالكرامة الإنسانية والسلامة البدنية، ومثل فيها بجثث أطفال، وأهين شيوخ، وقتلت نساء، من دون أي سبب سوى إرادة الترويع والإرهاب التي جعلت منها السلطة السورية سلاحها الأمضى لثني الشعب عن مطالبه وإجباره على الركوع، لا يزال النظام متمترسا وراء خندق المؤامرة الخارجية ليبرر جميع الأعمال والانتهاكات الصارخة لحقوق الفرد والمجتمع.

 

ولا يزال الرأي العام العربي صامتا بصورة مريبة. فلم يصدر عن أي دولة عربية ولو نداء للنظام السوري بوقف المجازر والأعمال العسكرية تجاه شعب يعتبر رسميا شعبا مستقلا وذا سيادة. كما فشل مجلس الأمن في إصدار بيان يدين فيه أعمال العنف التي يمارسها النظام ضد شعب أعزل بسبب معارضة موسكو والصين وحمايتهما للنظام لغايات إستراتيجية ومصالح قومية.

 

أمام هذه التحديات الكبرى التي تواجه الثورة السورية، والصعوبة المتزايدة لتسجيل نتائج سياسية على الأرض مقابل آلاف الضحايا، تبدو المخاطر التي كنا نحذر منها في السابق أكثر احتمالا اليوم من أي وقت آخر.

 

ومن هذه المخاطر الاحتمال المتزايد لانزلاق قطاعات من الرأي العام المروع والملوع بعد شهور من القتل والملاحقة والعنف، نحو الطائفية. ووقوعها، في موازاة ذلك، تحت إغراء المراهنة على القوة والعنف المضاد بدل التمسك بالوسائل السلمية.

وإذا كانت هذه القطاعات لا تزال محدودة حتى الآن فليس من المستبعد أن يتفاقم الأمر، إذا استمر انسداد أفق الحل السياسي، وتصاعد التوتر والشعور بالاختناق داخل صفوف الشرائح الشعبية. وسيصبح من الصعب أكثر فأكثر على القوى الديمقراطية الحفاظ على موقف الحركة السلمية والمدنية الوطنية، بينما سيزداد خطر تطلع بعض الشرائح إلى التدخلات الأجنبية على سنة المستجير من الرمضاء بالنار، وكذلك إثارة شهية بعض الأطراف الخارجية الانتقامية أو ذات المصالح الخاصة والاستفادة من هذه الانزلاقات من أجل الدخول على الخط والسعي إلى تحقيق غايات ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بأهداف الثورة الديمقراطية ومطالبها.

 

بالتأكيد، إن الذي يتحمل المسؤولية عن هذه الانزلاقات هو النظام والسلطة التي سدت على الشعب السوري جميع أبواب الرحمة وحكمت عليه بالعبودية الأبدية أو الصراع حتى الموت، للتخلص من أصفاده وكسر قيوده وتحرير نفسه من شروط حياة لا أخلاقية ولا إنسانية.

 

لكن رجال السلطة الذين سعوا ولا يزالون يسعون، بكل ما أوتوا من قوة ووسائل، لإفساد الثورة ودفعها نحو منزلقات الطائفية والعنف، حتى يبرروا كما يعتقدون القضاء عليها واستعادة السيطرة على المجتمع والبلاد بشروط العبودية التقليدية، قد تخلوا تماما عن أي مسؤولية من تلقاء أنفسهم، ولا تبدو عليهم المقدرة على الالتزام بأي مبدأ أخلاقي أو إنساني أو وطني يمكن المراهنة على تفعيله أو العزف عليه لثنيهم عن خططهم الجنونية في الإبقاء بأي ثمن على نظام العسف والإذلال والقهر والفساد.

 

من هنا تقع مسؤولية الإنقاذ الوطني وتجنيب البلاد الانزلاق نحو الفوضى والدمار والعنف والنزاعات الداخلية اليوم بالدرجة الأولى على قوى الثورة الديمقراطية، وفي مقدمها قوى الشباب الاحتجاجية التي تشكل المحرك الرئيسي لها، كما تقع على المعارضات السياسية وقطاعات الرأي العام السوري المستنيرة والمستعدة للعمل من أجل المحافظة على مستقبل سوريا، وعلى فرص الانتقال نحو حياة مدنية وديمقراطية سليمة، وتجنيبها أي انزلاقات خطيرة محتملة.

 

وهذا ما يرتب على الجميع عبئا إضافيا ويهيب بجميع القوى إلى الارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية، والعمل من دون تأخير على بناء الإطار السياسي الضروري لتوحيد جهد القوى الداعمة للمشروع الديمقراطي المدني وتقديم رؤية واضحة عن سوريا المستقبل، ووضع عنوان واضح ومرجعية ذات مصداقية للثورة، يمكن من خلالها التواصل مع جميع القوى المحلية والعربية والدولية.

وكل ذلك من شروط تسريع وتيرة عزل النظام وانحلال عصبيته وتعميق تفككه السياسي، وكذلك من شروط إعادة الأمل إلى الشعب بالخلاص القريب وإغلاق سبل اليأس والمغامرة والاستسلام للعنف.

 

في اعتقادي هناك ثلاث قوى رئيسية تشكل جسم المعارضة السورية، ويتوقف على توحيدها أو التلاقي في ما بينها مستقبل المعارضة الديمقراطية وقدرتها على وضع حد لعسف النظام الراهن وطغيانه وتحكمه في الداخل، كما يتوقف نجاحنا في أن نكسر حاجز الخوف من المجهول والفوضى الذي يبقي جزءا من مواطنينا مترددين في الانخراط في ثورة الحرية، ويسمح للأطراف الدولية بالتهرب من مسؤولياتهم والاستمرار في التساهل مع النظام، بل والتواطؤ معه كما هو حال دولتي روسيا والصين.

 

الأولى من بين هذه القوى هي قوى الشباب الذين يشكلون الجسم الأكبر للثورة وهم أيضا النسبة الأكبر من المجتمع. وبعكس ما كان يقال حتى الآن عن عفوية الثورة وضعف أطرها التنظيمية، أظهرت الأيام الأخيرة أن شباب الانتفاضة كانوا السباقين إلى طرح مسألة إعادة هيكلة المعارضة السورية وبنائها بما ينسجم مع حاجات تقدم الثورة وتجذيرها.

 

وأريد بهذه المناسبة أن أحيي هؤلاء الشباب الذين بادروا إلى تشكيل اتحاد التنسيقيات، وهم في طريقهم إلى استكمال هذه العملية على طريق تشكيل قوة واحدة قادرة على العمل الميداني والسياسي المتسق والمنظم. وهم الذين يقفون الآن أيضا في طليعة القوى الداعية إلى تحرك قوى المعارضة الأخرى وتوحيدها.

 

وقد أظهروا بذلك أنهم قدوة لبقية الحركات والأحزاب السياسية التي لا يزال بعضها يجد صعوبة كبيرة على ما يبدو في اللحاق سياسيا وفكريا بحركة الثورة والتفاعل معها وتقديم إضافة جديدة لها تمثل خبرة الأجيال السابقة ومعارفها.

 

القوى الثانية التي أظهرت نشاطا متجددا في الشهرين الماضيين هي المعارضة المستقلة التي ولدت من تجمع مواطنين سوريين في المهجر، وهم كثر، من باب الانخراط في العمل الوطني العام، وتقديم الدعم للانتفاضة.

 

ففي كل العواصم والمدن في العالم أجمع، حيث توجد جاليات سوريا، يكتشف السوريون هويتهم السياسية والوطنية، ويستعيدون علاقتهم مع وطنهم، ويحلمون بالمساهمة الفعالة في بناء مستقبلهم الجمعي. وفي كل يوم تتشكل مجموعات عمل جديدة وتتواصل مع الداخل أو مع بعضها. وهي تشكل بمجموعها خزانا كبيرا للكفاءات والعناصر التي تحتاج إليها الثورة اليوم من أجل كسب الرأي العام العالمي، وغدا من أجل بناء سوريا الديمقراطية الجديدة.

 

لكن الذي يعيق حركة توحيد هذه القوى التي ينتمي معظمها إلى أفراد مستقلين لم يمارسوا السياسة في السابق، وليس لديهم انتماءات حزبية، هو غياب قوى سياسية منظمة يمكنهم الاستناد إليها والعمل معها أو من خلالها.

 

أما القوى الثالثة التي كان من الضروري أن تلعب دور الدينامو في تحريك جميع هذه العناصر والجمع بينها وتوحيد رؤيتها ونهجها، فهي قوى المعارضة الحزبية المنظمة التي اكتسبت خلال كفاحها الطويل والمرير ضد الاستبداد خبرة مهمة، وتحول العديد من رموزها إلى رصيد وطني في نظر الرأي العام المحلي والعالمي معا.

 

للأسف بدت هذه المعارضة أو معظمها، حتى الآن، وكأنها غير قادرة على مواكبة حركة الشباب في ثورتهم، ولا تزال تضيع وقتها في مناقشات ونزاعات داخلية هي من مخلفات العقد الماضي. وبدل أن تشارك في إبداع الإطار الجديد الذي يتماشى مع وتيرة تقدم الثورة ويساهم في تغذيتها بالأفكار والرؤى والتوجهات، ويقدم لها مظلة تحمي ظهرها وتصد عنها الضربات والاتهامات، بقيت غارقة في نقاشاتها السفسطائية، باستثناء بعض البيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

إلى هؤلاء أود التوجه اليوم وأقول لهم إن ما نعيشه الآن ليس حالة طبيعية أو عادية وإنما حالة استثنائية وعاجلة وتحتاج إلى عمل ذي وتيرة سريعة تلبي مطالب التحول المستمر داخل الثورة وتستجيب لديناميكيتها. ليس المطلوب منا اليوم التفاهم حول برنامج عمل لحكومة بديلة لسوريا المستقبل.

لدينا الوقت الكافي لهذا العمل، وبمشاركة الشباب الذين فجروا هذه الثورة. المطلوب أن تضعوا رصيدكم السياسي والوطني في خدمة الثورة الديمقراطية وبأسرع وقت حتى تحموها وتحفظوا رهاناتها المدنية والديمقراطية من الضياع، أو من الانحراف والانزلاق.

 

إن ما نحتاج إليه اليوم، لكسر أوهام النظام بشأن قدرته على الاستمرار، وطمأنة الرأي العام السوري وقطاعاته المترددة على المستقبل، وترسيخ أقدام الثورة على الأرض، وتوسيع دائرة انتشارها ونسبة المشاركين فيها، هو تكوين هيئة وطنية تضم هذه القوى المعارضة جميعا، وتنسق بين نشاطاتها، وتوحدها لصالح ثورة الحرية.

 

فبعد برهان النظام المدوي عن استقالته الوطنية ورفضه التفاهم مع شعبه، وتصميم رجاله على سياسة القتل والقهر والاستعباد، لم يعد أمام السوريين اليوم خيار أو احتمال خيار آخر سوى التعاون من أجل الانتقال بسوريا إلى نظام ديمقراطي مدني تعددي يساوي بين كافة مواطني سوريا، أو الانزلاق الأكيد نحو العنف والفوضى والخراب.

 

المصدر : الجزيرة

 

Share

سورية: فراغ السلطة ومولد المعارضة

د.برهان غليون

لم يكن الشعور بفراغ السلطة في دمشق قويا عند الرأي العام السوري والعالمي كما هو عليه اليوم. فبعد أكثر من شهر ونصف على آخر خطاب للرئيس السوري توجه به إلى أعضاء حكومته الجديدة لحثهم على تحسين نوعية الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، يكاد يكون المشهد خاليا من أي مبادرة أو قرار أو توجيه سياسي أو بيان من قبل الحكم، إذا استثنينا حديث وزير الخارجية وليد المعلم الذي قال فيه إنه ليس رجل سياسة وإنما هو منفذ فحسب. لا يعني هذا الصمت المريب لرجال الدولة أنه لا توجد هناك سياسة ولكنه يعني أن السياسة الوحيدة التي اختارها أصحاب النظام هي أن يطلقوا يد الأجهزة الأمنية والعسكرية في الأحياء والمدن للاستمرار في تطبيق سياسة القمع والعقوبات الجماعية على المتظاهرين، بانتظار أن تحدث معجزة تسمح لرجال السياسة في النظام أن يخرجوا على الرأي العام بخطاب جديد يؤكد أنهم انتصروا، وأنهم هم الوحيدون الذين يقررون مصير البلاد، وبرنامج الاصلاح ورزنامته وحدوده. وهذه السياسة هي التي لم يكف المسؤولون السوريون على التأكيد عليها بتردادهم دائما أنهم لا يقبلون بالضغط عليهم ولا ينبغي لأحد أن يحلم أن يستطيع بالضغط أن ينال شيئا منهم. هم أسياد البلاد وسوف يبقون أسيادها، وأي إصلاح يمكن تقديمه سيكون كرما منهم ولا معنى له إلا إذا قبله الشعب كما هو وأعلن أنه مدين به للنظام . Continue reading

Share

The endgame for Syria’s bloody junta

  • Burhan Ghalioun
  • guardian.co.uk
  • Monday 30 May 2011
    As part of the democratic revolution that has swept the Arab world, Syria’s youth ignited a popular uprising on 15 March that has significantly altered the political landscape. It has also added a bright new page to the history of the Syrian people complementing previous uprisings for national liberation and independence. Events since have revealed two fundamental truths. First, the failure of the current regime to formulate a serious plan for reform that goes beyond a cosmetic overhaul of the existing system; the reinforcement of its self-seclusion and its political and intellectual stagnation. Second, the Syrian people’s intention to persist in their struggle until they achieve their demands for freedom and the establishment of a democratic authority of their choosing – whatever the cost. Continue reading

    Share

    سوريا على طريق ثورة الكرامة والحرية

    Middle East Studies Online Journal- ISSN 2109-9618- Issue n°5. Volume 2 ( 2011)

    Etudes du Moyen-Orient. N°5. Volume 2. 2011.

    دراسات الشرق الأوسط، مجلة فكرية محكمة. العدد الخامس . المجلد الثاني2011

    Burhan Ghalioun
    Abstract: Since the outbreak of the revolution of dignity and freedom in Tunisia and Egypt and its resounding transfer to all Arab countries, including oil-rich Gulf states, and more established monarchies in other countries, the silence of  the Syrian people drew the attention of all observers in the world. And many of them competed in analysing the reasons that prevented the refreshing winds of freedom sweeping across the Arab region, and igniting the enthusiasm of people, and uniting their thoughts and feelings and will, as it never happened before, to influence the course of the Syrian life.
    Key-words: Syria, Arab uprisings, revolution, Democracy, Middle East…

    د.برهان غليون§

    لفت صمت الشعب السوري أمام اندلاع ثورة الكرامة والحرية في تونس ومصر وانتقالها المدوي إلى جميع الأقطار العربية، بما فيها دول الخليج النفطية الغنية، والملكيات الأكثر رسوخا في بعض الأقطار، نظر جميع المراقبين في العالم. وتبارى كثير من هؤلاء في تحليل الأسباب التي منعت رياح الحرية المنعشة التي هبت على المنطقة العربية، وألهبت حماسة شعوبها، ووحدت فكرهم ومشاعرهم وإرادتهم، كما لم يحصل في أي زمن سابق، من التأثير في مجرى الحياة السورية.

    تنزيل المقالة كاملة = ملف ب د ف


    • § أستاذ علم الإجتماع السياسي بجامعة السوربون، ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر. باريس.

    Share

    نداء الحرية في مملكة الصمت السورية

    برهان غليون

    لم يعد هناك من يشك امام مشهد الثورات المشتعلة في اكثر من قطر في الوقت نفسه، وبعد انتصار ثورتي تونس ومصر أن انقلابا تاريخيا كبيرا قد حصل في المنطقة العربية لم يعد من الممكن تجاهله وبالأحرى الرجوع عنه. ولن يمكن لأي نظام قهري أن يتجنب آثاره ما لم يبادر هو نفسه بعملية إصلاحية تضع البلاد على الطريق ذاتها التي رسمتها الثورة ويشرع بتنفيذ المهام نفسها التي استدعت الانفجار الشعبية المتوالية والمتواصلة كالبركان الذي لا يريد الانطفاء.

    فقد دخل العرب، نفسيا وفكريا وسياسيا في تاريخ جديد، تاريخ الحرية الذي حيل بينهم وبينه لعقود طويلة. ومن لا يدرك معنى هذا التحول أو يرفض النظر إليه، سوف يصبح من منتجات ما قبل التاريخ، ويعيش في عالم ليس له علاقة بعد الآن بعالمنا الراهن، لا قيمه من قيمنا ولا أهدافه من اهدافنا. فهناك اليوم في سياساتنا عصر ما قبل التاريخ وعصر التاريخ وما بعد التاريخ. وقمع الانتفاضات الشعبية، وما بالك بمواجهة الاحتجاجات الصغيرة بالحديد والنار، لا يعمل إلا على تعميق شعور الناس بهذه الحقيقة البدهية، ويفاقم من سخطهم على أوضاعهم وعلى من أصبح أكثر من أي وقت سابق عقبة في وجه تقدمهم واستقلال إرادتهم واندراجهم في حقبتهم التاريخية.

    ولأن أي شعب عربي لن يقبل بعد الآن أن يعيش في شروط العهد السابق، وسيبدو القبول بمثل هذه الشروط برهانا على انحطاطه الأخلاقي والسياسي وشهادة على قلة حيلته وانعدام كرامته وعجزه أو جبنه، بل على موته، ستجد جميع الأنظمة الاستبدادية نفسها مهددة لا محالة بحركات الاحتجاج، وستتعرض لضغوط متواصلة من قبل قطاعات متزايدة من الرأي العام يضاعف من اندفاعها نحو المشاركة السيل المتواصل من صور الشعوب المناضلة من أجل حريتها. وأمام إرادة التحرر والتصميم وقبول التضحية، بل ربما احيانا نكران الذات في سبيل إدخال المجتمع في عهد الحرية الجديد، لن يزيد قمع هؤلاء إلا في إلهاب روح الثورة فيهم وتغذيتها.

    فلن تستطيع الشعوب، بعد كل ما جرى ويجري على امتداد الساحة العربية، وما تحقق من انتصارات لا يمكن التشكيك فيها، أن تقاوم، مهما عظمت المخاطر والتضحيات، إغراء المحاولة والتحرش بالسلطة القائمة واستفزازها والهجوم عليها. وليس امام السلطة الاستبدادية التي فقدت هيبتها تماما بعد ما ظهر فسادها المرعب، وعماها السياسي واستعداداها لتعريض البلاد لكل الأخطار والتدخلات للحفاظ على مصالح أصحابها اللامشروعة وامتيازاتهم، ولجوئها السهل للعنف الوحشي، فصارت هدفا مباشرا لنقمة شعبية لم تعرفها الشعوب العربية في كل تاريخها الحديث سوى أحد خيارين: تجنب الصدام مع القوى المتظاهرة وهذا ما سوف يترجم بسرعة إلى ضعف ويشجع على خروج الجماهير التي لا تزال خائفة من جميع أوساط الشعب إلى الشوارع والساحات لتشارك في عيد الحرية وتحقق مواطنيتها في التواصل في ما بينها، أو أن تقمع التظاهرات والاحتجاجات وتكبدها خسائر كبيرة. وفي هذه الظروف التي نعيشها، أعني الدخول في التاريخ الجديد والزمانية الثورية التي تلف المنطقة بأكملها، لن تكون نتائج القمع سوى تعميق الشعور بالمهانة وبغربة النظام وقطيعته مع الشعب، ومن وراء ذلك استدراج المزيد من الجمهور المتعاطف مع الضحايا إلى الميدان.

    واضح أذن أنه في هذه الحالات الاستثنائية تسقط قوة الردع التي كانت للقمع في الحقبة السابقة. أما الحوار أو الاصلاح الذي تدعو إليه السلطة القهرية اليوم فليس له في السياق الراهن أي قيمة سياسية، ولا يمكن أن يخدع إلا الداعين إليه الذين بخلوا على شعوبهم به خلال عقود طويلة كانوا لا يكفون فيها عن ممارسته مع إسرائيل، بما في ذلك مع حكوماتها الاكثر عنصرية ويمينية، وفي ظل استمرار عملية الاستيطان اليهودية. إنه لا يثير شهية أحد وليس له ترجمة أخرى غير سعي الحاكمين إلى كسب الوقت أملا بمرور العاصفة بسلام وبالتالي تأجيل التحولات المطلوبة والتي لم تعد تقبل الانتظار.

    فمنذ أن يشعر الفرد بانه أصبح حرا، وقد أصبح جميع العرب من دون استثناء أحرارا في اللحظة ذاتها التي كان فيها التونسيون ثم بشكل أكبر المصريون ينتزعون في ميدان التحرير، وعلى مرأى من الجميع أيضا، حرياتهم وحقوقهم، ويفرضون إرادتهم على النظام، تسقط شروط العبودية والانظمة الراعية لها. وهذا ما حصل للعرب جميعا اليوم، بصرف النظر عن أقطارهم وخصوصياتهم ومستوى تطورهم أو انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو السياسية أو جنسهم. ذلك أن الحرية لا يمكن أن تتعايش ولا للحظة واحدة مع العبودية. وهي في سموها تدفع الناس أيضا إلى التسامي على جميع جراحاتهم اليومية وحساسياتهم المذهبية واختلافاتهم القبلية والدينية. والنظم التي لا تدرك ذلك تحكم على نفسها بالموت واقفة، من دون أن يطلق عليها الجمهور رصاصة واحدة. إنها تصبح ميتة حتى لو لم يخرج لمقاتلتها أي شخص من لحم ودم.

    من هنا يخطيء كثيرا أولئك الذين يعتقدون أنهم يستطيعون الفكاك من الاستحقاقات التاريخية لأن لديهم فائضا من القوة والعنف، وأن شيئا لا يمنعهم من استخدامه، أو أن في أيديهم وسائل عظيمة لتشويه الحقائق والكذب والغش. فلم يعد لكل ذلك أي مفعول، وهو بدل أن يخدع أعداءهم، أي الناس الأحرار، يحول أصحابه، هم أنفسهم، إلى ما يشبه النعامة التي تدفن رأسها بالرمال للخلاص من خطر داهم.

    ولعل التجربة الليبية هي التي تقدم الدرس الأهم في هذا المعنى. فلم يعمل الاستخدام الصريح للعنف، الذي وصل إلى حد إعلان “قائد ثورة الفاتح”، وصاحب نظرية الجماهيرية والسلطة للجان الشعبية، الحرب الرسمية على شعبه، وعدم التردد في قصف مدنه وقراه بالطيران والمدفعية، على تعزيز سلطة نظام القهر الليبي وهيبته ولكنه سارع في سقوط هذا النظام السياسي والأخلاقي معا، وجعل من التعاون العربي والعالمي للتخلص منه هدفا مشتركا لجميع الدول، بما فيها تلك التي لا مصلحة لها في الثورة القائمة، ودفع الكثيرين من العرب إلى المخاطرة بقبول التدخل الاجنبي على أنه مساعدة إنسانية.

    كيف يمكن لنظام حكم اعتاد التعامل مع شعبه كعبيد أو كأتباع وزبائن، يستمد مجده من إذلالهم، ويجمع أربابه ثرواتهم من تعظيم عذاباته اليومية، إلى الانقلاب على ذاته والقيام بثورة على نفسه، توفر على الشعوب الدماء الزكية وعلى البلاد الخسائر المادية ومخاطر الانهيارات الاقتصادية وربما التدخلات الأجنبية ؟

    هذا هو التحدي الذي توجهه الشعوب ويوجهه التاريخ اليوم إلى أولئك الحكام الذين لا يزالون، بعد ثلاثة أشهر من الثورة البركانية المستمرة في كل العواصم والمدن العربية، يراهنون على مقدرة أجهزتهم الأمنية وتحالفاتهم الإقليمية على مقاومة طوفان الحرية. لا أدري، إن كان ذلك من سوء حظ الشعوب العربية أو حسنه أن هؤلاء لم يفهموا أو لا يريدون أن يفهموا معنى ما يجري في بلدان حكموها منذ عقود، من دون أن يعيروا شعوبها لفتة واحدة. ولو فعلوا لأدركوا، كما أدرك جميع الناس من حولهم، هذه الحقيقة البدهية التي لم يكف ملايين العرب عن تردادها منذ شهور: الشعب يريد تغيير النظام، أي ببساطة يريد تغيير أسلوب الحكم، يريد المشاركة، يريد الحرية، يريد الكرامة، يريد الاحترام. هل في هذا ما يعصى على الفهم، وهل الجواب على هذه المطالب يحتاج إلى مثل هذه الحشود الأمنية والعسكرية، وقتل الأبرياء وملء السجون بالأطفال والنساء والرجال، وهل بمثل هذه الوسائل تردم الهوة السحيقة بين الحكومات العربية وشعوبها؟

    الاتحاد

    Share

    سورية على طريق ثورة الكرامة والحرية

    برهان غليون

    لفت صمت الشعب السوري أمام اندلاع ثورة الكرامة والحرية في تونس ومصر وانتقالها المدوي إلى جميع الأقطار العربية، بما فيها دول الخليج النفطية الغنية، والملكيات الاكثر رسوخا في بعض الأقطار، نظر جميع المراقبين في العالم. وتبارى كثير من هؤلاء في تحليل الأسباب التي منعت رياح الحرية المنعشة، التي هبت على المنطقة العربية، وألهبت حماسة شعوبها، ووحدت فكرهم ومشاعرهم وإرادتهم، كما لم يحصل في أي زمن سابق، من التأثير في مجرى الحياة السورية. ولعل النظام السوري اقتنع أيضا بالأطروحة التي روجتها الصحافة هنا وهناك، واعتبر أن التفاف الشعب السوري حول قيادته بسبب مواقفها الحميدة من القضايا القومية، أمرا مفروغا منه، يجنبه المساءلة في قضايا الحكم والسياسة الداخلية والحريات، ويوفر عليه الإصلاحات التي ما كف عن الوعد بها منذ بداية العقد الماضي، من دون إظهار أي رغبة، مهما كانت محدودة، في تحقيقها.

    وبالرغم من مرور ثلاثة أشهر على ثورة شعبية عربية عارمة أدهشت العالم وأصبحت محور اهتمام المنظومة الدولية بأكملها، من سياسيين ومثقفين وفلاسفة وخبراء في السياسة والاستراتيجية، ومن مشاهد الشعوب التي حررت نفسها بقوة إرادتها وعزيمتها وتصميمها، في مواجهة أعتى النظم القمعية، فقد ظل النظام السوري صامتا تماما كما لو أن ما يجري من حوله لا يعنيه بتاتا، او أن سورية منيعة كليا على أي تأثيرات عربية أو عالمية. و بينما لم يبق نظام عربي واحد لم يبادر إلى تقديم تنازلات سياسية والوعد ببرامج إصلاح أو الدعوة إلى حوارات وطنية، لم يجد المسؤولون السوريون ضرورة حتى للتوجه بخطاب أو بكلمة او ببيان للشعب، واكتفوا بما تنشره أو تبثه وسائل الإعلام السورية عن إنجازات النظام الاستثنائية، الوطنية والاجتماعية والاقتصادية. وفي حين بادرت نظم، لا تقل ثقة بقوة الردع التي تتمتع بها أجهزتها الأمنية، إلى إطلاق سراح معتقلين واتخاذ إجراءات فورية لتبريد الأجواء والتخفيف من الضغوط والتوترات التي تعيشها الجماهير المتفجرة توقا إلى الانعتاق، وأعلن بعض الزعماء فيها عن عدم رغبتهم في إعادة ترشيحهم لولاية أخرى، وبادر بعضهم الآخر إلى كف يد الأجهزة الامنية عن الملاحقات التعسفية واستخدام القوة والعنف مع المتظاهرين، وأقر بعض ثالث بضرورة تنظيم انتخابات نزيهة وحرة، ضاعفت أجهزة الأمن السورية من تشددها تجاه النشطاء السياسيين، وزجت المزيد منهم في السجون لأدنى الأسباب، وها هي تتورط في مواجهة التظاهرات بالرصاص بعد أن كالت لهم تهما تساوي الخيانة الوطنية. وحتى في الملكيات الراسخة والغنية، لم يجد القادة بدا من اتخاذ إجراءات سياسية جديدة بالإضافة إلى الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية، وشعر قسم منهم، لم يعتد مخاطبة الجمهور ولا مغازلته، بضرورة أن يتحدث لشعبه ويخاطبه، كتعبير عن الاعتراف بوجوده أو التظاهر باحترام رأيه. وأعلن ملك المغرب الذي لا يشك أحد بما يتمتع به في بلاده من شعبية، نظرا لما شهدته بداية حكمه من انفتاحات ديمقراطية مهمة، عن مشروعه الجديد لتقليص كبير في صلاحيته السياسية وربما التمهيد لإقامة ملكية دستورية. بالمقابل، لم يتردد الرئيس السوري في أن يؤكد، خلال مقابلات حديثة مع الصحافة الأجنبية، أن الاصلاح السياسي في سورية مسألة طويلة وصعبة، ولن يكون من الممكن تحقيقه قبل مرور جيل جديد.

    لعل القادة السوريين ارتأووا أن من الأفضل أن لا يتحدثوا في السياسة حتى لا يفتحوا على أنفسهم باب التفكير في الاصلاح السياسي، أو لعل بعضهم اعتقد بالفعل أن تجهيزاتهم وجاهزيتهم الأمنية قوية بما يكفي لردع السوريين عن القيام بأي عمل لا يرضى عنه النظام، أو بأن شعبهم قد فقد تماما الشعور، وأصبح جثة سياسية، أو أنه تحول إلى سائبة لا تعني لها الكرامة شيئا ولا تثيرها رياح الحرية. أو لعلهم اعتقدوا بأن خوف الشعب بعضه من البعض الآخر، وتخويفه بالحرب الأهلية بسبب الانقسامات المذهبية او الجهوية، سوف يعطل إرادته ويشله عن القيام بأي مبادرة عملية. هكذا صم النظام السوري أذنيه تماما عن نداءت هي أشبه بالاستغاثة، صدرت عن بعض من لا يزال على قيد الحياة السياسية، في شعب يكاد يختنق من شدة ضغط أجهزة الأمن التي تحصي على الأفراد أنفاسهم بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا يكاد فرد، أكان ناشطا سياسيا أو بعيدا عن أي نشاط، يخرج من تحت السيطرة الأمنية المباشرة، ولا نشاط، مهما كان صغيرا أو كبيرا، تجاريا أو ثقافيا، يمكن أن يمر من بين شبكات المرا قبة الضيقة وشكوكها المرضية وملاحقاتها الدائمة واليومية. الإشارة اليتيمة التي قبل النظام أن يقدمها في هذه الظروف التاريخية التي تلهب مشاعر العرب جميعا وتدفعهم لركوب كل المخاطر بما فيها حمل السلاح لمقاتلة أعداء الحرية، كما حصل في ليبيا، هي إطلاق سراح هيثم المالح، الناشط الحقوقي المسن، بعد سنوات من المحاكمات والاعتقالات التنكيلية. وحتى في هذه الحالة، استكثر النظام أن يطلق المالح بعفو خاص، فجمله في عفوه العام الدوري عن الجرائم والجنح المدنية، وأكد على أن الأصل فيه هو السن المتقدم، حتى لا يضفي على هذا العفو عن شخص واحد طابعا سياسيا يغذي أوهام الناشطين الحقوقيين والسياسيين بان من الممكن تعميمه في المستقبل أو توسيع دائرته.

    أكثر من الإحباط، أثار هذا الانغلاق السياسي، العميق الدلالة، ذهول الأوساط السياسية والثقافية جميعا، ليس في سورية فحسب ولكن في العالم العربي بأكمله. وفجر صمت النظام روح الثورة الكامنة، بما أبرزه من عدم احترام للشعوب، واستهتار بمشاعر الناس، وتجاهل تطلعاتهم، والاستهانة بمخاوفهم وقلقهم على مستقبلهم، والاستمرار في المراهنة على كسر إرادتهم، من اجل الابقاء على إذعانهم، وتمديد حالة الحصار المفروض عليهم، وتحويلهم إلى أسرى محتجزين داخل ذواتهم هم أنفسهم.

    ومن هذا الاحباط وانغلاق الآفاق وقتل الآمال، انطلقت في 15 مارس آذار أول شرارة في حركة يخطيء النظام إذا اعتقد أن من الممكن القضاء عليها بوضع من شارك فيها في السجن وإضافة معتقلين جددا إلى عشرات المعتقلين السابقين. ليس ما حدث ويحدث في دمشق وبانياس والقامشلي ودرعا وحمص سوى الإرهاصات الأولى لثورة الكرامة والحرية التي حملت بها سورية منذ وقت طويل، من دون أن تجد وسيلة لإخراجها. وأصبح أصعب فأصعب اليوم، في سياق الانتفاضة الشاملة للشعوب العربية، إخماد نارها بالوسائل والأساليب القديمة التي اعتادت على استخدامها الأجهزة الأمنية، من عنف مفرط وضرب وشتم، بل لن يزيدها ذلك إلا اشتعالا، بمقدار ما تساهم هذه الأساليب في تأكيد الواقع الذي يثير ثائرة الشعوب اليوم في كل مكان، ويدفعها للانتفاض على حكامها، وجوهره حكم الناس بالقوة والقهر، واحتقار آرائهم، وتسفيه خياراتهم، والتضحية بكرامتهم، والاستهتار بوجودهم.

    ليس السوريون هم وحدهم الذين لفت جمود النظام وصممه أنظارهم. ولم تقتصر المقالات والتعليقات النقدية على السوريين، وإنما أصبحت، أكثر، شاغلا رئيسيا لكتاب ومثقفين ومفكرين عربا كانوا ولا يزالون يعتبرون أنفسهم حلفاء أو أصدقاء للنظام. ولم يتردد هؤلاء في تذكير المسؤولين السوريين بأن المواقف الخارجية الحميدة لا ينبغي أن تكون بديلا للاعتراف بحقوق الشعب السوري وحرياته، وأن تقديرهم لسياسات النظام السوري الخارجية، وحرصهم عليها وعليه، هما الذين يدفعانهم إلى تحذير المسؤولين من مخاطر هذه السياسة ويناشدونه القيام بإصلاحات سياسية سريعة وفورية تلتقي مع آمال الشعب السوري وترد على تطلعاته المشروعة، قبل فوات الآوان.

    كما هو واضح، لم يدرك القادة السوريون أن شعبهم قد تغير تماما، في أتون الثورة المستمرة التي يعيشها بكل جوارحه عبر القنوات التلفزية، ويشارك فيها ساعة ساعة، حتى وهو قابع في بيوته أو في مقاعده الدراسية. كما أنهم لم يدركوا أن العالم نفسه قد تغير، بفضل الثورة العربية ذاتها، وتغيرت معه أيضا الجامعة العربية، كما أبرز ذلك المثال الليبي. ولم يعد أحد يقبل اليوم مشاهد الحرب التي يشنها مسؤول أو زعيم سياسي على شعبه لمجرد طموحه في البقاء في السلطة أو حماية بعض الامتيازات. ولقد فات الوقت الذي كانت سيادة الدولة تعني حق أي حاكم أو نظام حكم، مهما كان أصله ومصدر شرعيته، في أن يستفرد بشعبه ويفرض عليه الإذعان. ولم يعد من الممكن للرأي العام العالمي، في نظام العولمة الراهن والتواصل المباشر عبر وسائل الإعلام، أن تتنكر حكوماته لواجب التضامن مع الجماعات والشعوب المعرضة لمخاطر الإبادة والاستعباد، أو أن تستهتر بمصادرة إرادتها من قبل جماعات خارجة على العرف الدولي والقانون، سواء اعتمدت في إخضاع شعوبها على القوة العسكرية النظامية أو الأجهزة الأمنية، ومن باب أولى على عصابات المرتزقة وأمثالهم.

    مهما تــأخر الوقت، لا يستطيع نظام متكلس يرجع نموذجه إلى حقبة سابقة كثيرا على ثورات التحرر والديمقراطية والانتفاضات الشعبية العربية، أن يستمر. لقد أصبح أثرا من آثار ما قبل التاريخ. تاريخ الحرية الجديد الذي يحرك الشعوب ويلهمها. والسوريون ليسوا أقل جدارة من الشعوب الأخرى، وليسوا أشباه رجال، أو نمطا خاصا من الشعوب التي لا تعنيها الكرامة ولا تعرف معنى الحرية. ولن يقبلوا أن يكونوا أنصاف مواطنين. وما ينشدونه هو ما تتمتع به جميع شعوب العالم اليوم وتنشده أيضا: حكما قائما على المشاركة والاعتراف بأهلية الشعوب وحقوقها وحرياتها الأساسية، والتخلص من عسف المخابرات وتسلطها البغيض على حياة الناس ومصادرة آحلامهم وآمالهم. وليس في هذا أي مطلب استثنائي أو تعجيزي. بالعكس إنه العودة إلى الحالة الطبيعية، أي السليمة.

    لكن إذا لم يكن من الممكن المحافظة على نظام يرجع في نموذجه لعصر الحرب الباردة فليس هناك ما يمنع أصحابه او الذين آمنوا به من أن يجنبوا أنفسهم مصيرا شبيها بمصير الخارج على القانون الذي تحول إليه القذافي، الزعيم الملهم، بعد أن غامر بشن الحرب على شعبه وأراد أن يفرض نفسه عليه بالقوة، ولا حتى بمصير بن علي ومبارك اللذين اضطرا إلى الانسلال أو التسلل خوفا من الغضبة الشعبية. والسبيل إلى ذلك ليس بالامر الصعب والخطير: إنه ببساطة ملاقاة مطامح شعوبهم وتطلعاتها الانسانية الطبيعية، والتجرؤ على إعلانها شعوبا حرة، والاعتراف بأهليتها في حكم نفسها واختيار ممثليها بحرية، وتسهيل انتقالها الحتمي نحو الديمقراطية ،والمساهمة في تخفيض تكاليف هذا الانتقال المادية والمعنوية. ولا أعتقد أن كثيرا من القادة السياسيين، بما في ذلك مسؤولون كبار في أجهزة الأمن، من الذين أتيح لي مقابلتهم بمناسبة العديد من التحقيقات التي يشاركني فيها أغلب عناصر النخبة الثقافية، غير قادرين على مثل هذا الخيار، أو غير أبهين بمستقبل شعوبهم وراغبين في تجنيب بلادهم مخاطر العنف والحروب الداخلية، ومن ورائهما احتمال الانزلاق نحو التدخلات الأجنبية القابعة وراء الباب.

    Share

    عهد المواطنة العربي الجديد

    برهان غليون

    كالعنقاء التي تنبعث من رمادها، تولد الشعوب العربية اليوم من الحطام الذي آلت إليه في العقود الطويلة الماضية على يد نظم سياسية واجتماعية قاهرة وقهرية، وتتقدم على مسرح التاريخ طامحة إلى امتلاك مصيرها. ويعني امتلاك المصير استعادة الحق الأصلي في التصرف والسيادة التي نازعتها عليها قبل أن تنتزعها منها النخب الحاكمة في سياق تاريخي استثنائي كسرت فيه إرادة الشعوب العربية، ونجحت فيه الدول الكبرى في استتباع النخب الحاكمة واستخدامها للعمل على أجندتها الخاصة.

    هي إذن في الجوهر ثورة سياسية عميقة تعيد تشكيل الشعوب التي صارت خلال العقود الماضية في حكم الرعايا والأتباع والموالي والعبيد المنقسمين والمتنازعين والمهمشين والشاكّين بعضهم ببعض واليائسين من مصيرهم ومستقبلهم والمحتقرين لأنفسهم والمنخلعين عن ذواتهم بسبب عمق المهانة والعطالة والإحباط، وصهرها في أتون الحركة الاحتجاجية والثورة المستمرة على أشباه أسيادها أو أسيادها الزائفين، إلى أمم أو شعوب أمم يوحدها العمل المشترك والأمل الجامع في استلام زمام أمورها وانتزاع حقوقها.

    ففي هذه الثورة ومن خلالها اكتشفت الشعوب التي دفعت إلى الشك في نفسها، وحدتها وقدراتها -أي ذاتها- ووقعّت دون أن يستدعي ذلك أي مفاوضات مسبقة أو حوارات سابقة أو تنظير، على عقدها أو عهدها الوطني الجديد: عهد الخبر والكرامة والحرية، تماما كما كانت الثورة الفرنسية عام 1789 قد أسست لعهد الديمقراطية الغربية الجديد بشعارات تحولت في ما بعد إلى جدول أعمال جميع الشعوب الغربية والديمقراطية: الحرية والمساواة والإخاء.

    وقصدي من ذلك أن أقول أيضا إن هذه الثورة هي بالتأكيد ثورة الديمقراطية العربية كما وصفها العديد من المحللين، بما تعنيه الديمقراطية من إلغاء نظام السلطة المطلقة أو أشكال الحكم الدكتاتورية، وإقامة نظم سياسية تقوم على مشاركة جميع الأفراد في القرارات العمومية عبر ممثلين ينتخبونهم بحرية.

    وهذا ما حصل في أوروبا الشرقية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وما حصل في أميركا اللاتينية وبعض الدول الأفريقية قبل ذلك في السبعينيات. لكنها ليست كذلك فحسب، ولا تقتصر على عملية إطلاق الحريات لشعب انتزعت منه.. إنها أكثر شبها بالثورة الفرنسية التي لم تكن هي أيضا مجرد إطلاق للحريات أو تغيير نظام سياسي دكتاتوري بنظام ديمقراطي آخر، وإنما كانت إطارا لولادة أمة من هشيم الرجال والطوائف والجماعات المحلية والطبقات المتنابذة التي ينكر بعضها بعضا.

    ومن حيث هي كذلك، كانت في الوقت نفسه ثورة نفسية وأخلاقية وفكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية تستبطن بالضرورة انقلابا جيوستراتيجيا أيضا.

    فما حصل في البلاد العربية في العقود الأربعة الماضية على يد بعض النخب التي استلمت السلطة في ظروف تاريخية وبوسائل استثنائية، هو إعادة توطين الملكية المطلقة والتعسفية فيها كما لم يحصل في أي منطقة من مناطق العالم الأخرى، فوضعت العالم العربي بالفعل في حالة شاذة معاكسة لحركة التاريخ واتجاهها.

    وأقصد بالملكية المطلقة هنا نفي أي حقوق مهما كانت للشعوب في المشاركة في تقرير الشؤون العامة، وتحويلها إلى شعوب قاصرة أو فرض حالة القصور عليها، وتحويل البلدان إلى ما يشبه الإقطاعات القرسطوية التي يتحكم فيها أولياء نعمة من الملوك والسلاطين والرؤساء المبجلين الذين يفرضون سيطرتهم عبر ترويع السكان بالمليشيات المسلحة التي لا تخضع لقانون غير إرادتهم، ويستحلون جميع الحقوق ويتعاملون مع البلاد كما لو كانت ملكية خاصة لهم، ولهم عليها حق التصرف الكامل، لهم ولأبنائهم وأقربائهم، كما يملكون حق الموت والحياة على السكان ويحولونهم بالجملة إلى عبيد وأتباع.

    وربما كانت نكتة توريث الأبناء الحكم من قبل الآباء في الجمهوريات العربية أكبر مؤشر على نوعية هذه العلاقة التي نشأت بين أصحاب الحكم وبين الأرض والشعب، وكان من نتيجتها تصفية الإرث الفكري والسياسي الوطني أو المواطني العميق الذي تراكم منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر وعزز الشعور بوجود شعب وأمة عربيتين لدى الأفراد وفي نظر الرأي العام العالمي أيضا، بعد الانتصار على الاستعمار ونيل الاستقلال، ثم في مرحلة ثانية، الثورة الوطنية التي تفجرت في الخمسينيات والستينيات بهدف تعميق أسس الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي ودمج الأرياف في الحياة العامة، وقادتها الحركة القومية العربية، والناصرية منها بشكل خاص.

    ونجم عن انحطاط نموذج الحكم والسلطة في البلاد العربية تدمير منظم للنسيج الوطني، وتفجير نواة الوطنية الجديدة التي ولدت في إطار الصراع ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية وفي سياق الطموح إلى الانخراط في العصر ومسايرة القيم السياسية الحديثة.

    وحلت السلطة الشخصية المستندة إلى الولاء للحزب الواحد أو الطائفة أو العشيرة محلّ سلطة القانون، وفرغت مؤسسات الدولة جميعا من مضمونها، واحتلت الجماعات الزبائنية ذات الأصول الحزبية أو الطائفية أو العشائرية، الدولة واستعمرت مؤسساتها وطردت أي أثر لروح السياسة الوطنية وللقانون فيها، وتحولت الجيوش إلى مليشيات تأتمر بأوامر النخب الحاكمة ولا تخدم سوى مصالحها، وأخضعت نظم التعليم لحاجات تعزيز سيطرة هذه النخب وهيمنتها، ووظفت المعارضات السياسية ذاتها -بعد عمليات إخضاع وإذلال وتدجين طويلة ومتواصلة- في خدمة السلطة شبه الإقطاعية الجديدة، وحيل بين الأفراد وإمكانية التواصل والتعارف والتفاهم والعمل المشترك والتعبير عن الرأي أو المصالح الخاصة، فما بالك بالتنظيم والتظاهر والاحتجاج.

    ووصل الأمر حدّ منع الناس من التضامن في ما بينهم أثناء الكوارث الطبيعية من زلازل وغيرها، حتى لا يقلل ذلك من هيبة الدولة أو القائمين عليها. وتفنن النظام في تفريغ الثقافة العربية من محتواها التحرري والإنساني أيضا، وفي تعميم ثقافة تجمع بين تعميم الخوف الشامل من كل شيء ولأي سبب أو من دون سبب، نتيجة العسف المعمم وغياب أي حماية سياسية أو قانونية للفرد، والانكفاء على النفس، والاستقالة من أي مسؤولية عمومية، والانطواء على قيم العصبية الأسرية أو العائلية أو الطائفية أو العشائرية، واليأس من المستقبل والانسحاب من العالم، وإدارة الظهر لكل ما يشير إلى قيم التحرر الحديثة.

    وفي هذا العالم الاجتماعي الجديد الذي صاغه النظام، وفرغه من أي لحمة مدنية تجمع بين الأفراد، وأقامه على تعميم الخوف الدائم والتهديد المنظم الذي يضمنه الحضور الشامل لأجهزة الأمن والقهر والمخابرات، والاستخدام المفرط للعنف الرمزي والمادي معا، والقطيعة مع العالم الخارجي نفسيا وفكريا وأحيانا ماديا، وسن قوانين المراقبة على كل ما يتعلق بالاتصالات الحديثة والقديمة، وتنويع القيود المفروضة على تنقل الأفراد وحركتهم داخل بلدانهم وخارجها، وكسر حلقات التواصل الاجتماعي والثقافي بتضييق هامش العمل الجمعوي والإنساني والخيري، وكل ما يتعلق بما نسميه اليوم منظمات المجتمع المدني، وتجنيد قسم كبير من النخب المثقفة لبث أيدولوجية القهر الذاتي التي تقوم على تغذية مشاعر كراهية الذات وتشجع على الانخلاع عن الهوية والتبرم بالانتماء للجماعة التاريخية والثقافية، من خلال الانتقاص من قدر الحضارة العربية وتشويه التاريخ وتسويد الثقافة وتقزيم الإنسان والتشكيك في تاريخ العرب ومقدرتهم العقلية على تمثل قيم الحضارة الحديثة أو معانقة القيم المدنية، وتكبيلهم بمشاعر الفشل والعجز واللافاعلية، وتوجيه الدراسة التاريخية والاجتماعية نحو ميادين لا هدف منها سوى إفقاد الفرد الثقة بنفسه ومقدرة مجتمعاته على الانخراط في العصر، مثل ما اعتدنا على قراءته عن الجروح النرجسية والعصاب والماضوية والانطواء على النفس والعداء للآخر، مما حفلت به المكتبة العربية في العقود الثلاثة الماضية ولم تعرفه الدراسات الاجتماعية عن أي شعب آخر خلال التاريخ.. أقول في هذا العالم الاجتماعي الجديد الذي ساهم في خلقه واستمراره الطغاة الكاسرون والأجهزة الأمنية الضاربة والمتمولون الشرهون والمثقفون والدعاة المحبطون والناقمون أو المستفيدون، انحلت جميع العرى الاجتماعية، وقضي على أي أثر للروح العمومية، للوعي الجمعي والإرادة العامة.

    لم يعد هناك شعب ولم تعد هناك أمة ولم يعد هناك مجتمع.. ما بقي هو هشيم من الأفراد الذين يتعامل معهم النظام كزبائن، يجازيهم أو يعاقبهم حسب ولائهم له أو ابتعادهم عنه. وبمقدار ما فقد المجتمع مرجعياته السياسية والقانونية، وقتل فيه معنى الإنسان والإنسانية، أصبح أفراده يتعاملون في ما بينهم أيضا كزبائن، يشترون ولاء بعضهم حتى داخل الأسرة الواحدة، ويبيعون بعضهم ويشترون بعضهم كما يبيعهم النظام ويشتريهم.

    في هذا السياق تشكل استعادة الشعوب لسيادتها وحقها في تقرير مصيرها من يد الطغاة والطغم التي حولتها إلى رعاع حتى تتحول هي إلى ملوك وسلاطين وأسياد السلطة والمال والجاه، إطارا لاستعادة الوجود كأمة وشعب ومجتمع وجماعة حية، وفي السياق نفسه إطارا لاستعادة الملكية على الأوطان التي انتزعت وحولت إلى إقطاعات قرسطوية. وهي تنطوي بالضرورة -في ما وراء نداء الحريات المدنية والسياسية وبرامج تطبيقها وتعميمها على كل فرد- على ثورة أخلاقية واجتماعية وسياسية بالمعنى العميق للكلمة.

    فأول أبعاد هذه الثورة التاريخية، والأكثر وضوحا في الأحداث اليومية المستمرة لها، هو من دون شك قلب التوازنات السياسية القائمة، بحيث يصبح عاليها سافلها والعكس. فقد انقلبت الآية وصار الشعب منذ الآن سيد الموقف بعدما كانت السيادة للنخب الحاكمة المسلحة بأجهزة الأمن والمخابرات، وهو الذي يقود الآن اللعبة السياسية ويحدد برنامج عمل الحكومة وجدول أعمالها.

    ولأول مرة في تاريخ العرب يتعرف الشعب على نفسه، ويتصرف بالفعل كمصدر للسلطات، ولا يتضرع إلى الحاكمين أو يستجديهم احترام حقوقه، كما لا يتطلع إلى الدول الأجنبية لاستجداء بيان الإدانة أو الشجب أو المساعدة، وإنما يعتمد على نفسه ويحرص على عدم السماح لأي قوة داخلية أو خارجية أن تنتقص من سيادته.

    ولأول مرة تجد النخب الحاكمة نفسها في وضعية التبعية لإرادة الشعب والخادمة له. ولعل أفضل ما يعبر عن ذلك هذا الشعار الذي انتشر أيضا كالثورة في جميع أصقاع العالم العربي كشعار رئيسي ودائم “الشعب يريد”. في البداية كانت الإرادة متمثلة في إسقاط النظام، والآن جميع المطالب الاجتماعية تبدأ بفكرة الشعب وبالشعب.

    لكن في ما وراء هذا الانقلاب التاريخي الذي نشأ من إعادة تعريف العلاقة أو تحديدها بين الشعب والنخبة الحاكمة، أو بين السلطة والجمهور، هناك ثورة أخلاقية أعمق من ذلك تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والفرد في إطار هذه السلطة التي يملك الشعب زمامها ويشكل مصدرها.

    ويعني الانقلاب هنا الانتقال من تعريف الناس أو تصورهم لأنفسهم في ما يتعلق بالعلاقات بين بعضهم البعض، كزبائن وأتباع وموال ومحاسيب وأزلام، داخل الأحزاب وخارجها، في وسط النخب الحاكمة وداخل صفوف الشعب والمعارضة معا، إلى تعريفهم كمواطنين. وجوهر المواطنة الاعتراف بالمساواة في إطار القانون أولا، لكن أبعد من ذلك، على المستوى الفكري والأخلاقي. ولا مساواة من دون الحرية التي تشكل جوهر المواطنة كحقيقة سياسية ومسؤولية عمومية.

    ومن منطلق المسؤولية التي تؤسسها الحرية والمساواة ينبع التكافل الضامن لإعادة إنتاج علاقة المواطنة، أي الشعب بوصفه أفرادا أحرارا ومتساوين، أو استمرارها. وأي إلغاء للحريات والمساواة القانونية والأخلاقية أو انتقاص منها أو مس بقداستها، يهدد تماسك الأمة ووحدة إرادتها ووجودها.

    في هذا السياق الذي تكونت فيه الأمة، أي روح المواطنية الجامعة، من خلال التضامن النشط الذي ما كان للثورة أن تنتصر وتحقق أهدافها من دونه، برزت القيم الجديدة التي صقلت الأفراد وأعادت تربيتهم في لحظة واحدة، اللحظة التأسيسية المنبثقة في زمن الثورة المحررة، وهي في طريقها لإعادة تشكيل القيم والعلاقات الاجتماعية على أنقاض ثقافة الزبائنية والمحسوبية التي ورثتها من الحقبة الاستبدادية البائدة.

    فعادت الأمور إلى نصابها الطبيعي، لم تلغ العائلية ولا الانتماءات الطائفية والقبلية، ولكنها رجعت إلى حجمها الطبيعي أمام صعود مشاعر الانتماء الوطني والهوية الجامعة والمصالح والقيم الاجتماعية. فوجدنا الناس يتصرفون بعفوية وبساطة كأعضاء في مجتمع أو شعب واحد، يدافع كل فرد عن الآخر ويضحي من أجله، كما شاهدنا تسامي الأفراد والجماعات على مصالحها الخاصة والزمنية والارتفاع إلى مستوى المبادئ المحركة والملهمة، فتراجعت -وفي بعض الأحيان ذابت- التمايزات والتناقضات الدينية وغير الدينية والحزازات الطائفية والعشائرية، وسار الجميع في حركة واحدة وعلى قلب واحد تحملهم موجة الانعتاق من ذل القهر والجوع والخوف الذي دمر لحمتهم الاجتماعية والوطنية.

    لقد ولدت الأمة الحرة من تلك النواة الشبابية الصغيرة التي نجحت في التحرر من نظام العبودية وملحقاته الثقافية والسياسية والاجتماعية، وتعامل فيها كل فرد مع ذاته كرجل حر مسؤول، ومع أقرانه كأفراد أحرار متساوين، بصرف النظر عن أصولهم وأفكارهم واعتقاداتهم.

    ما جمع بين هؤلاء كافة لم يكن العقيدة الواحدة ولا الأصل الواحد ولا الدين أو المذهب الواحد، وإنما الإرادة الواحدة في العيش بكرامة وحرية، أي الطموح المقدس لمعانقة أفق القيم الإنسانية، والذي لا يمكن لفرد أن يحترم فيه ذاته من دون أن يحترم غيره، ولا أن يضفي الشرعية على حقوقه -وأولها الحرية- من دون أن يعترف بشرعية حقوق الآخر، وبالتالي مساواته معه، وتقاسمه مع أعضاء مجتمعه جميعا حياة الكرامة والمسؤولية.

    كان من الطبيعي أن لا تخرج ثورة التكوين الجديد للشعب الأمة، أو انبعاثه كمجتمع مواطنين أحرار ومتساوين، من رحم تلك البؤر السياسية والثقافية والاجتماعية التي نشأت في ظل العلاقات الزبائنية وترعرت في ثقافة الاستقالة السياسية والأخلاقية، وإنما في وسط أجيال جديدة شابة لم تعرف حياة الذل والمهانة والزبائنية ولم تتعامل معها، بقيت متحررة من تجارب الماضي السلبية، ومن القيود الذاتية المفروضة على العقل والمانعة له من معانقة أفق الكونية الإنسانية. فمن الكرم الذي يحرك روح الشباب في كل زمان ومكان ويجعل منهم الأسرع إلى التضحية ونكران الذات، ومن روح الحرية الطبيعية التي تسكن أجيالا لم تلوثها النزاعات الفكرية المديدة وتمزقها الحزازات المذهبية القديمة، ستولد ثورة الحرية والكرامة والأخوة العربية.

    وهي في الواقع وطنية عربية جديدة، أي مشروع أمة جديدة، تولد الآن من وراء الحدود الجغرافية وعبرها، تجمع بين العرب من دون استثناء وتوحدهم من جديد حول مبادئ وقيم أساسية ستشكل المرجعية في تعامل الأفراد مع بعضهم بعضا، وفي تعاملهم مع النخب الحاكمة والسلطات السياسية، وتشكل بالتالي العقد أو العهد العربي الوطني الجديد.

    وهي وطنية لا يتناقض فيها القطري والقومي، وإنما يتكاملان بمقدار ما يعزز تحرر شعب عربي من نظام الإذلال والقهر والعبودية والجوع تحرر الشعب الآخر، ويزيد من قدرته على مقاومة الضغوط الداخلية والخارجية.

    كما لا تنفي فيها ممارسة الحريات الفردية الحقوق الجماعية، سواء أتجسدت هذه الحقوق في تأكيد تكافل الجميع في مواجهة الفقر والجوع، أو في تعاونهم للحفاظ على السيادة والاستقلال في مواجهة الضغوط الأجنبية.

    هنا تتكامل الأجندة الديمقراطية مع الأجندة الوطنية والأجندة الاجتماعية وتنشئ أو تدفع إلى ولادة نموذج لنظام مجتمعي وإقليمي جديد يشكل الالتزام بما سميته العهد الوطني العربي الجديد، عهد الخبز والكرامة والحرية، وتحقيق أهدافه وإنجاحه والفوز فيه، أساسَ وحدة مشاعر عرب اليوم وغاياتهم ومحور اجتماعهم، وقريبا الأساس العقدي لاتحادهم كافة، داخل كل قطر، وعلى مستوى الأقطار جميعا.

    ويعني عهد الخبز في هذا البرنامج المؤسس لوطنية عربية وأمة جديدة، أنه لا يجوز بعد اليوم أن يقبل العربي بأن يكون هناك في بلاد العرب من يجوع، وأن تأمين الحد الأدنى للحياة التزام جماعي أخلاقي، وليس سياسة حكومية فحسب، وهو ما يساوي في العهد الجمهوري القديم شعار الإخاء والتكافل والتضامن كحق طبيعي للأضعف وواجب على الأقدر، وما لا يستقيم من دونه بناء اجتماعي حي وقابل للحياة.

    وتعني الكرامة أن احترام كل فرد -بصرف النظر عن أصله وفصله ومهنته ووضعه الاجتماعي- واجب وطني، وأنه لا يجوز أن يبقى في بلاد العرب من يقبل الذل أو يتعرض للإذلال، سواء أجاء ذلك من قبل إهانة فرد لآخر أو جماعة لأخرى أو الانتقاص من كرامتهما أو حقوقهما، او ممارسة أي أشكال حاطة بالكرامة الإنسانية تجاه أحد، سلطة كان أم فردا أو جماعة مدنية. وأن أساس هذا الاحترام المتبادل للإنسان في كل إنسان، هو مساواة الجميع، من وراء اختلافات البشر والأفراد في اللون أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو الديانة أو الثقافة أو المذهب أو الفكر أو العقيدة السياسية.

    وأخيرا تعني الحرية الاعتراف بالحق المقدس لأي فرد في التصرف بشؤونه وتحكيم ضميره والتعبير عن نفسه وفكره والتواصل مع أقرانه والمشاركة المتساوية مع غيره في النشاطات العامة السياسية وغير السياسية، كما تعني كفالة تأمين ممارسة هذا الحق للجميع من دون تمييز، وأن أي انتهاك لهذا الحق والحريات المدنية والسياسية والاجتماعية المرتبطة به هو انتهاك لحق الجماعة والمجتمع وليس لحق الضحية فحسب، وتهديد للعهد الوطني وخيانة للمبادئ التي قامت على أساسها وحدة المجتمع والشعب.

    من هنا، في ما وراء مظاهر التحرر السياسية البارزة اليوم، تشكل هذه الثورة/الثورات مرجلا عظيما لإعادة صهر الشعوب العربية التي شوهها الطغيان والاستقالة المعنوية والفساد، وحولها إلى أشباه أمم وأشباه رجال وأشباه دول، وإعادة صوغها في قالب جديد، إنساني واجتماعي، أي إعادة صقلها بالقيم والمبادئ والمثل العليا التي انتزعت منها أو فرض عليها الانخلاع عنها، حتى تتحول إلى ما يحتاج إليه الطغاة من انحطاط ليتمكنوا من وضع أنفسهم في موضع المبدأ الأخلاقي الملهم والروح المحركة والجامعة لهشيم الأمم وركامها.

    الجزيرة نت 8/03/2011

    Share

    ثورة مصر: الصراع على السيادة

    د. برهان غليون

    ما حدث في مصر هو ثورة سياسية ستحدد مصير العرب ومنطقة الشرق الأوسط لعقود طويلة قادمة. وبسبب رهاناتها الداخلية والإقليمية والدولية الكبيرة، كانت بالضرورة معركة ضارية، استخدمت فيها كل الوسائل وتدخلت فيها العديد من القوى الداخلية والخارجية. فالأمر يتعلق أولا بتقرير مصير شعب مصر ومستقبله، أي باختيار أسلوب حكمه ووجهة سيره وأهدافه وأجنداته الداخلية والخارجية.

    وفي معركة تقرير المصير هذه يقف في مواجهة شعب مصر، الذي يشكل العمود الفقري للأمة العربية، تآلف من القوى الخارجية الخائفة من استقلال القرار المصري والعربي، وعلى رأسها إسرائيل، والقوى المحلية التي تضم، إلى النخبة التي كانت تدير شؤون مصر بأكملها، قطاعات واسعة من رجال المال والأعمال الذين يشكلون طبقة من الرأسمالية الميركنتيلية التي ارتبطت مصالحها بمصالح عائلة الرئيس ونظامه، وكذلك قاعدة واسعة من القوى الزبائنية المتحكمة بمؤسسات الدولة، العسكرية والأمنية والإدارية، والمسستفيدة من موقعها وعلاقتها الوثيقة بالسلطة.

    كما يتعلق الأمر، في المعركة التاريخية الراهنة، بتحديد موقع مصر ودورها في منطقة الشرق الأوسط، ومن وراء ذلك هوية المنطقة نفسها، والمصالح السائدة فيها، ومستقبل تطورها ومكانتها الدولية. ومن المحتم أن عودة مصر لذاتها، واستعادة شعبها سيادته وحريته، سوف يغير من الوظيفة التي قامت بها خلال العقود الثلاثة السابقة في إطار النظام الإقليمي، فيحولها من رصيد استراتيجي للأمة العربية، وإلى قاعدة كبرى لعملية إعادة بناء المنطقة وتأهيلها لدخول عصر السيطرة الذاتية والقضاء على المشاريع والمطامع التوسعية الإسرائيلية والغربية وفتح الطريق أمام الشعوب لممارسة حقوقها الطبيعية، وجعل المنطقة أحد المراكز العالمية للتنمية الحضارية والإنسانية.

    هذا هو الذي يفسر ما شهدته ساحة الثورة ولا تزال تشهده من مناورات دولية ومحلية، ومن ضمنها السعي إلى تقسيم القوى السياسية، وربما شق الجبهة الموحدة أو الالتفاف على إمكانية قيام جبهة موحدة تجمع الشباب وقوى المعارضة المصرية في خط واضح وحاسم لإحداث تغيير نوعي في النظام. فقد عمل مبارك وحلفاؤه كل ما يستطيعونه من أجل احتواء عناصر الثورة وصهر مطالبها داخل النظام وقواعده الدستورية والقانونية، بغرض تحويلها من مشروع لتغيير النظام إلى مشروع إصلاح من داخل النظام، ثم الالتفاف على مطلب الثورة الحقيقي والجوهري الذي هو إقامة نظام يستمد شرعيته من الشعب، ويكون الشعب فيه هو مصدر السلطة وصاحبها ومرجعها، وبهدف الإبقاء على الوضع القائم. وذلك هو المعنى الحقيقي لشعار التغيير مع الحفاظ على الاستقرار، أو ما يسمى في قاموس التصريحات الأميركية الرسمية التي كان يرددها المسؤولون المصريون حرفياً؛ الانتقال السلمي والآمن، أو انتقال السلطة، من دون أي تحديد لمضمون هذا الانتقال.

    لكن التظاهرات المليونية التي استمرت ما يقارب ثلاثة أسابيع والتي فقد فيها الشعب مئات الشهداء حسمت الأمر. وعندما أصبح من الواضح أنه لم يعد بالإمكان تجاهل إرادة الشعب في إسقاط النظام، وأن مراوحة السلطة في ذات المكان تقود إلى تصعيد خطير في عدد المحتجين ومطالبهم معاً، تقدم الجيش الذي بقي يراقب عن قرب الصراع المحتدم بين الشعب ونظام مبارك، ليحسم الموقف، فارضى نفسه لاعباً أساسياً في الصراع.

    لم يحسم الجيش الموقف لصالح الشعب، أي من أجل بناء نظام جديد يستمد شرعيته من الشعب وحده، ويلغي نظام الوصاية القائم، بل حسمه لصالحه، فصار هو الطرف الرئيسي المؤهل لإعادة بناء النظام المقبل. وبالرغم من أن النظام الجديد المنتظر قد قطع الطريق على عودة النظام السابق، وسيقوم على حساب الطبقة الميركنتيلية التي استند إليها، إلا أنه لن يكون نظاماً ديمقراطياً بسيادة شعبية خالصة ومعترف بها، أي لن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيه هو الشعب الذي نزل إلى الشوارع والساحات وقلَب النظام، وإنما سيكون نظاماً ديمقراطياً بسيادة متقاسمة بين الشعب والجيش تعكس هي نفسها الوضعية التي يعيشها المصريون والعرب عموماً والتي تتجسد في الفصل داخل السيادة بين وظائف مختلفة ومتباينة. ومن البداية برز هذا التقاسم للسيادة بوضوح. فالجيش الذي كان وحده القادر على إخراج الكستناء من النار بعد صراع طويل، هو الذي أمسك بزمام المبادرة وأعلن منذ الأيام الأولى تمسكه بالتزامات مصر الدولية، والمقصود اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، ومن وراء ذلك تحديد السياسات الخارجية وعلاقات مصر بمحيطها الإقليمي والدولي. وبالمقابل سيمارس الشعب سيادته في مجال تحديد السياسات الداخلية. مما يعني حقه في أن يحكم نفسه في الداخل من خلال ممثلين يختارهم بحرية. فالديمقراطية المصرية ستكون ديمقراطية مقيدة، لا يصون الجيش فيها مصالح الشعب في ممارسة حرياته إلا بمقدار ما لا تتعارض هذه الممارسة مع الحفاظ على موقع مصر وتحالفاتها الإقليمية والدولية كما تنظر إليها وتحددها نخبتها العسكرية اليوم.

    وهذا يعني أننا نسير نحو نموذج شبيه بذاك الذي عرفته تركيا في فترة ما قبل قدوم “حزب العدالة والتنمية” إلى السلطة، ولا يزال قائماً جزئياً بعده، يحتفظ فيه الجيش بحق مراقبة ممارسة الشعب لسيادته والإشراف عليها، لكن لا يمنع الشعب من هذه الممارسة، أي يسمح بانتخابات حرة.

    ويشكل هذا إنجازاً كبيراً من دون شك. لكنه ليس نهاية المطاف. فقد كانت الصيغة التي فرضت على مصر والعرب عموماً تقضي بحرمان الشعب من جميع حقوقه السياسية، أي انتزاع سيادته تماماً لصالح نخبة حاكمة مطلقة الصلاحية ضماناً لتحقيق أهداف الأمن الإقليمية التي يقع في مقدمها الأمن الإسرائيلي. والمطروح اليوم بعد بروز الشعب كفاعل قوي في السياسة الاعتراف بحقه في ممارسة سيادته في كل ما يتعلق بشؤون تنظيمه لحياته الداخلية على شرط أن لا يمس تلك المنطقة من السيادة التي تتصل بعلاقاته الدولية، أي اصطفاف مصر الاستراتيجي واتجاهات عملها المستقبلية.

    لكن السيادة بطبيعتها لا يمكن أن تتجزأ. والتسوية التي بدت مقبولة في الأيام الأخيرة للثورة سوف تصبح بسرعة موضع صراع مستمر بين الشعب والجيش أو بالأحرى بين النخبة السياسية الجديدة التي ستطلع من صفوف الثورة وتجربتها، والنخبة العسكرية التي تربت في ظل النظام السابق. وهذا ما أكدته مسيرة الملايين التي احتشدت في ميدان التحرير يوم “جمعة النصر”، 18 فبراير الجاري.

    جريدة الاتحاد

    الأربعاء 23 فبراير 2011

    Share